المقريزي

253

إمتاع الأسماع

منا ؟ فأسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله تبارك وتعالى عنهما فاستشارهم في ذلك ، وهو متكئ عليهما والقوم جلوس ، فتكلم بكلام يخيفه ، وأخبرهما بما قد أراد من الصلح ، فقالا : إن كان هذا أمرا من السماء فامض له ، وإن كان أمرا لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فامض لما كان لك فيه هوى ، فسمعا وطاعة ، وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف . وأخذ سعد بن معاذ الكتاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم فقالا : يا رسول الله ، إن كانوا ليأكلون العلهز ( 1 ) في الجاهلية من الجهد ، وما طمعوا بهذا منا قط أن يأخذوا تمرة إلا بشرى أو قرى ! فحين أتانا الله تعالى بك وأكرمنا بك ، وهدانا بك نعطي الدنية ! لا نعطيهم أبدا إلا السيف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شق الكتاب فتفل سعد فيه ، ثم شقه وقال : بيننا السيف ! فقام عيينة وهو يقول : أما والله للتي تركتم خير لكم من الخطة التي أخذتم ، وما لكم بالقوم طاقه . فقال عباد بن بشر يا عيينة أبا السيف تخوفنا ؟ ستعلم أينا أجزع وإلا فوالله لقد كنت أنت وقومك تأكلون العلهز والرمة من الجهد فتأتون هاهنا ما تطمعون بهذا منا ألا ترى وقرى أو شرى ونحن لا نعبد شيئا ، فلما هدانا الله وأيدنا بمحمد صلى الله عليه وسلم سألتمونا هذه الخطة ! أما والله لولا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وصلتم إلى قومكم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجعوا ، بيننا السيف ! رافعا صوته . فرجع عيينة والحارث وهما يقولان : والله ، ما نرى أن ندرك منهم شيئا ولقد أنهجت للقوم بصائرهم ! والله ، ما حضرت إلا كرها لقوم غلبوني ، وما مقامنا بشئ ، مع أن قريشا إن علمت بما عرضنا على محمد عرفت أنا قد خذلناها ولم ننصرها . قال عيينة : هو والله ذلك ! قال الحارث : أما إنا لم نصب بتعرضنا لنصر قريش على محمد ، والله لئن ظهرت قريش على محمد

--> ( 1 ) العلهز : هو شئ يتخذونه في سني المجاعة ، يخلطون الدم بأوبار الإبل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه . ( النهاية ) : 3 / 124 .